أختتمتُ  يوم أمسٍ الخميس –الممل والكئيب–  بمحادثة لطيفة مع رفيقة قديمة، صحيح أن لدي عدد كبير من المعارف، والقليل من هؤلاء المعارف فقط هم من كانوا محطات مهمة في منعطفاتي الحياتية القليل جدًا من أحدثَ أثرًا فِيَّ.

يُنسب إلى جان جاك روسو القول القائل: ‏”إن الحياة لا تقاس بطول الأيام بقدر ما تقاس بمدى إحساس الحي أنه حي“



إن تمكنت من جمع طبيب، وفنان، وفيسلوف، وشاعر، وأديب، وعالم، وعامل، ومعلم، وسألتهم جميعًا وطلبت منهم وصفًا للحياة في كلمتين، فالإجابة ستأخذ أشكالًا متعددة؛ لأن كلٌ منهم لديه إحساس مختلف بالحياة عن الآخر، المهم ستكون الإجابة كالآتي، الحياة:

إنَّها الجحيم، إنَّها الابتلاء، إنَّها المعاناة، إنَّها الموت، إنَّها العقل، إنَّها الفكرة، إنَّها المعرفة، إنهَّا القوة، إنَّها المنافسة، إنَّها الأمل، إنَّها الإيمان، إنَّها الصحة، إنَّها الحياة…

هذا جزء محدود من السيلٌ اللانهائي من التصوُّرات والرؤى عن الحياة، فحتمية إختلاف التجارب ستؤول بنا إلى وضع أحكام مختلفة، والكل له الأحقية الكاملة في تبني ما يناسبه، ليحيا حياته وفق قوالبه التي يريدها.


في سنيني السابقة وضعت منظورًا شخصيًا أرى من خلاله الحياة، كنت أراها بسيطة على هيئة مسار خط مستقيم به عدد من النقط، كل نقطة كانت تمثل حدثًا مؤثرًا، تجربة حياتية مُلهمة، ولكن مع مرور الأيام أصبح ذلك المنظور قديمًا متصدعًا 🏚️ في حوجة شديدة إلى الاستبدال؛ فهو لم يعد يناسب واقعية الحياة، بالنسبة للمنظور الجديد فقد أصبح متشابكًا ومتداخلًا ومعقدًا كتعقيد شبكة من الخلايا العصبية للدماغ البشري.


شبكة من الخلايا العصبية

لذا أنا لا أتفق مع من يبالغ في الإيجابية ويقوم بتبسيط الحياة تسبيطًا يفقدها حلاوتها، فجمالية الحياة بالنسبة لي يكمن في تشابكها، ويصل الإنسان إلى أقصى درجات النشوة عند حل الأحاجي الحياتية وتفكيك الرموز عصية الفك، مما يخلق فهمًا ووعيًا للحياة وإدراكًا نسبيًا للذي يحدث فيها.

كل هذا غير ممكن ما لم يقحم الإنسان نفسه في هذه الحياة، ويقارع الصعاب ويكتسب بفضل التجربة البحتة الدروس، وكما قلت سابقًا حتى يكون قادرًا على العبور خلال بوابات فترات الحياة المختلفة.

بحكم أني عشريني، فـ أكثر الأماكن الذي يمكنني التعرف فيها على أقراني هي مقاعد الدراسة، لك أن تتخيل عدد الناس في حياتي خلال عقد أو أو يزيد بقليل أمضيته متنقلًا بين مقاعد الدراسة بمراحلها المختلفة، وفي خضم كل تجربة يكون أجمع حولي عدد كبير من المعارف وبنهاية الفترة تبدأ الدائرة في التقلص، وكل من يبقى خارج الدائرة لا يتعدى كونه أحد الذين عرفتهم خلال حياتي، تضيق الدائرة ويخرج الكثير ويبقى القليل، لماذا القليل؟

لا أدري تحديدًا ولكن ربما لأن الاعتناء بالكثير من الأشخاص يكلف مقدارًا هائلًا من الطاقة والتركيز والمسؤولية، ولكي لا أهدر الطاقة سدى فأنا أعتمد فلسفة تقليص الدائرة وأوفر النجاة لعدد قليل من الرفاق، لهذا قلت في تدوينة إنسان كثير النسيان أني أدخل في حالة من الإحراج 😳 عندما يلقي علي التحية شخص –أخرجته من الدائرة لأسبابي المتناسبة مع معاييري بالتأكيد– وأنا حتى لا أتذكر اسمه، يا للروعة أليس كذلك؟ 🙂

ثم تأتي فترة أخرى أقوم فيها بتوسيع الدائرة إلى أقصى حد ممكن، ويبدأ الوقت في النفاذ وتتقلص الدائرة مرة أخرى لينجو القليل فقط من المعارف ويتحولوا إلى رفاق عابرين للفترات.

إنني وبفضل بفضل منظوري الجديد للحياة أصبحت متحفظًا أكثر في مسألة التسرع في بناء العلاقات خلال الفترات وإطلاق المسميات، فكلٌ له الفرصة ذاتها والمدة الزمنية اللازمة للنجاة، وهنا أنا ممتن إلى نفسي لأنني استطعت التحكم في التسرع بإطلاق الأحكام، الأحكام التي أصبحت أُطلقها بعد عمليات حسابية ومنطقية أقوم بها داخليأ عقلي المملوء بالتفاهة والمزدحم بالأفكار الغريبة والرهيبة، المهم أني أقوم بنشاط عقلي مترابط أحدد فيه من يبقى ومن سيخرج من الدائرة المتقلصة وغالبًا الخارج هو من يساعدني على إخراجه والناجي ينجو.

هل جربتم ذلك الإحساس الجميل الذي يأتي مع مراسلة أحد غير متوقع لكم؟ ☺️

هذا ما أحسسته قبل إكمال هذه التدوينة عندما راسلني أحد الناجين القدامى، حسنًا هذه ليست النهاية فهنالك أفكار أخرى سأعبر عنها في تدوينات قادمة، فأنا لا أريد حقًا أن أذهب بلا إحداث أثر، ولا أريد أن يقال علِيّ مات وفي عقله الكثير.

سأكون ممتنًا للقراء الجدد ويشرفني متابعتكم لجديد المدونة عبر الاشتراك بالبريد الالكتروني 📧 في قائمة المتابعين المخلصينعبر النموذج الموجود أسفل الصفحة هنا، أو أو بالعودة للصفحة الرئيسية.

نُشر بواسطة Esmat Ali

الحكمة اللانهائية، وأشياء أخرى أحيانًا.

Join the Conversation

1 Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

إنشاء موقع مجاني على ووردبريس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: