في ساعة متأخرة من ليلة أمس نشرت تدوينة واختتمت فيها القول بأني متعب بعد يوم طويل، وسأنام للتمكن من النجاة مرة أخرى في اليوم الذي يليه، حقًا كنت سأرافق والدي المريض إلى العيادة، استيقظت مبكرًا من أجل تجهيز نفسي وشرب كوب من الحليب أحسست بعده أن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش فقط مع بعض الملاحظات، سأحكي في تدوينة اليوم حكايا عن أبي.

أبي -أعاد الله إليه صحته وعافيته- لم يتلقَ تعليمًا مدرسيًا مطلقًا، في السودان يوجد نظام خلاوي لتحفيظ القرآن، التحق بخلوة في بداية أيامه، وتعلم فيها القليل من القراءة والكتابة بجانب حفظه لبعض القرآن، في منتصف العشرينات من عمره -أي قبل أكثر من أربعين عامًا من اليوم- خرج من قريته الصغيرة في غرب السودان بعد زواجه بأمي، خرج وهو مليء بالآمال الشامخة في تكوين أسرة في العاصمة حيث الأمن والأمان، والرخاء وسعة الحياة وتوافر الخدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، قبل وصوله الخرطوم مر بمدينة تدعى ”كوستي“ ليمكث فيها عند منزل خاله لأكثر من عام، وواصل بعد تلك الفترة رحلته نحو بناء مستقبل لأبنائه في الخرطوم التي كانت كالمدينة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون في كتابه الجمهورية، أرض الفرص والعجائب.

وصل للعاصمة الخرطوم بعد أن أنجبت أمي أختي الكبرى وشرع في بناء نفسه، بعد أن كان مزارعًا وراعيًا بسيطًا كحال الأغلبية في تلك القرية التي خرج منها فقد أصبح عاملًا حرًا يرتاد المدن الصناعية ويتعلم الصناعات اليدوية والإبداعية، وبمرور الوقت أصبح حدادًا، وتحول للعمل في المصانع والشركات المختلفة، كمصنع سكر كنانة وشركة شيفرون وغيرها، حاز على رضا المشرفين عليه وحُررت له شهادات تشهد بخبرته في صنعته وإبداعه.

في ثمانينات القرن الماضي بدت الثورات النهضوية والصناعية في دول عربية مختلفة، فجمع كل خبراته وإبداعه وشهاداته، وسافر إلى الكويت، والعراق وشهد غزو العراق للكويت سنة 90، وتنقل عبر دول مختلفة، واستقر أخيرًا في المملكة العربية السعودية وعمل في مصانعها وشركاتها ومنشآتها المختلفة، عمل لفترة طويلة أثبت فيها أنه علم في مجاله، وأينما ذهب يتفانى ويخلص في عمله ويلاقي استحسان المشرفين عليه، وتدرج وأصبح مقاولاً عظيمًا مستقلًا يدير المعامل والشركات ويشرف هو بنفسه على العمال وكل تلك التفاصيل التاريخية والمغامرات التي خاضها في حياته.

وقبل نهاية تسعينات القرن الماضي ونظرًا لطبيعة عمله الشاق والمتعب لقد تعرض لإصابة في ظهره بسبب رفعه لحمولة ثقيلة، تسببت له الإصابة تلك بمرور السنوات بمشكلة في عموده الفقري وانتهت بتشخصيه بالغضروف بعد عودته لأرض الوطن بست سنوات، أخذ الغضروف جزءًا من إبداعه وقوته وضخامة جثته مؤقتًا إلى أن تم إجراء العملية له من أجل التخلص من مشكلة العمود الفقري، وبعد فترة نقاهة طويلة قضاها استرد عافيته وعاد إلى ورشته ومكتبه اللذين أسسهما بعد عودته من اِغترابه الذي استمر نحو الثلاثين عامًا

وسارت الأمور بشكل أفضل وأحسن مما كانت عليه في السابق، إلى أن جاء العام 2017 والذي بدأت فيه الأمراض تتجمع في جسد أبي وبعد أشهر من السعي والتنقل من عيادة لأخرى ومن مستشفى لآخر، وبعدد عدد كبير من التشخيصات (أتمنى أن يكون جمعي لهذه الكلمة صحيحًا) الخاطئة ازدادت حالة جهازه الهضمي سوءًا، وقررنا في جلسة عائلية في عصر يوم جمعة أن ثقتنا في النظام الصحي في السودان قد سُحبت اعتبارًا من اليوم، وعلينا إيقاف كل شيء والبدء في جمع المدخرات من أجل إرساله في رحلة علاجية لجمهورية مصر العربية، أقمنا الترتيبات اللازمة وأرسلنا معه أمي بحكم أنها أيضًا مريضة قليلًا وضربنا بذلك عصفورين بحجر واحد، وتم سفرهما وامتدت الرحلة العلاجية لأكثر من شهر بقليل، وجدا فيها حقهما في الرعاية الصحية والتشخيص الكامل الشامل والدقيق جدًا، وُجد أن أبي مصاب بمرض يدعى جرثومة المعدة Helicobacter pylori تؤثر على جهاز الهضمي وقد أفقدتها الكثير من الكيلوجرامات والطاقة أيضًا تم تشخيصه مبدئيًا بمرض مناعي يدعى متلازمة شوغرن التي تهاجم بدورها غدده اللعابية وتحاصرها وتمنعها من أداء عملها مما يسبب له جفافًا حادًا في الفم والعيون وأمراضً أخرى

أخذ العقاقير الطبية التي ستكفيه لمدة 6 أشهر من عودته للوطن، وخلال هذه الفترة استرد جزءًا من عافيته وتحسن قليلًا، وانتهت الفترة وحان موعد العودة من أجل زيارة الطبيب مرة أخرى في القاهرة، هذه المرة المدخرات لم تكن كافية لذهاب أحد غيره، ولأنه يملك من الطاقة ما تجعله قادرًا على تدبر أموره وحده بحكم الشهر الذي قضاه سابقًا هناك، ذهب ولكنه بسبب عدم معرفته الكافية لم يقم بكل الفحوصات التأكيدية المطلوبة منه، فقط تأكد من خروج الجرثومة، ولكنها خلفت وراءها جدار معدة ومريء متقرحان بسببها وبسبب كم العلاجات الخاطئة التي أخذها، المهم عاد بعد أسبوع من سفره للعاصمة الخرطوم، وأعطاه طبيب الباطنية المصري مكمل العلاج للجرثومة، ولكنه لم يذهب للمتابعة مع طبيب المناعة، نعم ذهب وحده وعاد وحده، وأظنه ترك معه العافية في مصر

فلم يعرف لها طريق منذ خريف سنة 2019 الماضي، واشتد وزر متلازمة شوغرن وبدأت صحته بالاِنهيار مرة أخرى، وهذه المرة المتلازمة جلبت معها مشاكل في الأعصاب مما يسبب له موجات طويلة مستمرة من الصداع، وألم في المفاصل والعضلات، وأثرت كذلك على وظائف أعضاءه الحيوية الأخرى، هذه المرة لم نرسله خارجًا فلقد عرفنا تشخيص حالته الذي عجز عنه كثير من الأطباء هنا في السودان وأصبحنا نبحث له عن طبيب مختص بالأمراض المناعية إلى أن عثرنا على عيادة ومختبر الريان الخاصة بالطبيبة مواهب، وبعد أن أجرت له الفحوصات التأكيدية بأخذ عينة من دمه وخزعة أخُذت من فهم وبعد مرور أسبوع وصلت النتائج تؤكد إصابته فعلًا بمتلازمة شوغرن، وبدأت معنا منذ ديسمبر الماضي طيفًا واسعًا من الأدوية ومضادات الالتهابات، وحددت لنا موعدًا آخر بعد 4 أشهر، والذي كان يفترض أن يكون قبل رمضان الفائت بيومين ولكن مع ظروف الإغلاق الكلي للبلاد بسبب اللعين كوفيد-19 تأخرنا مدة 3 أشهر تقريبًا عن الموعد، خلال فترة تناوله للعلاج تحسن قليل، وعندما انقطعت السبل أمامنا تدهورت حالته مرة أخرى.

في الأسبوع الماضي فُتحت البلاد جزئيًا وعادت الطبيبة للعمل في عيادتها، وحددت لنا موظفة الاستقبال موعدًا لليوم وذهبنا بالفعل، وقيمت حالته الصحية ووصفت له جرعات أخرى من العلاجات لمدة 6 أشهر وحددت لنا مقابلة بعد 5 أشهر، أي في الثاني عشر من ديسمبر المقبل، واستطعت بمساعدة من الطبيبة الشرح لوالدي أن المتلازمة هذه صُنفت كمرض مزمن قد تكون قابلة للعلاج إن استطاع الجهاز المناعي استعادة السيطرة والتحكم

خرجنا من العيادة وطلبنا سيارة أجرة وعدنا للبيت، وأثناء طريق العودة رأيت في عينيه انتظاره لشهر ديسمبر، ديسمبر الذي قد تتحقق فيه كل الأحلام، حتى أحلام أبي في استرداد عافيته وقوته والعودة لعمله الشغوف به، والتحرر من الأمراض التي أثقلت جسده.

أبي ليس إلا نقطة في محيط واسع ممن لا يجدوا الرعاية الصحية المثالية في هذا البلد الجريح والمنهوب ذو النظام الصحي المتهالك، ولأمي ولإحدى أخواتي أيضًا قصص أخرى مع التشخيص الطبي غير الصحيح والتي لم يعد هناك مجال لذكرها في تدوينة اليوم

 ولكني بالأمس عدت متعبًا بسبب أني ذهبت مع أمي إلى اِختصاصي المسالك البولية من أجل التأكد من صحة اتهامها بالحصوة، والحمد لله كانت نتائجها جيدة فقط مجرد التهابات وهي الآن تأخذ أدويتها على أمل أن يتم شفاؤها بالكامل، وتقع علينا نحن أطباء المستقبل مهمة تحسين الوضع الصحي في البلاد أليس كذلك يا رفاق؟

نُشر بواسطة Esmat Ali

الحكمة اللانهائية، وأشياء أخرى أحيانًا.

Join the Conversation

9 Comments

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

  1. ألف ألف سلامة علي الوالد والوالدة أدام الله عليهم الصحة والعافية، وأتمنى أن تصمد يا صديقي فهذه الابتلائات تحتاج إلى طاقة وصبر وقوة تحمّل، جميل أن تكتب وتشاركنا تلك التجارب التي تصاحبها مشاعر صعبة، شكرًا لك.

    Liked by 1 person

  2. ألف سلامة على والديك، شفاهما الله وحفظهما من كل سوء، المجال مفتوح أمامكم أطباء المستقبل من أجل النهوض بالمنظومة الصحية وتحسين الأوضاع العلاجية، نفس التدهور عندنا في الجزائر ولكن ليس لهذه الدرجة، أتمنى أن نكون نحن الجيل الذي سيغير ويعالج هذا التدهور.

    Liked by 1 person

إنشاء موقع مجاني على ووردبريس.كوم
ابدأ
%d مدونون معجبون بهذه: